فصل: فَصْلٌ: بَيَانُ أَحْكَامِ الْبُغَاةِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (نسخة منقحة)



.فَصْلٌ: حُكْمُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ:

وَأَمَّا حُكْمُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ فَوَلَدُ الْمُرْتَدِّ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ مَوْلُودًا فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ فِي الرِّدَّةِ، فَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فِي الْإِسْلَامِ، بِأَنْ وُلِدَ لِلزَّوْجَيْنِ وَلَدٌ وَهُمَا مُسْلِمَانِ، ثُمَّ ارْتَدَّا لَا يُحْكَمُ بِرِدَّتِهِ مَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ وَأَبَوَاهُ مُسْلِمَانِ فَقَدْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، فَلَا يَزُولُ بِرِدَّتِهِمَا لِتَحَوُّلِ التَّبَعِيَّةِ إلَى الدَّارِ، إذْ الدَّارُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَصْلُحُ لِإِثْبَاتِ التَّبَعِيَّةِ ابْتِدَاءً عِنْدَ اسْتِتْبَاعِ الْأَبَوَيْنِ، تَصْلُحُ لِلْإِبْقَاءِ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ مِنْ الِابْتِدَاءِ، فَمَا دَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ، تَبَعًا لِلدَّارِ، وَلَوْ لَحِقَ الْمُرْتَدَّانِ بِهَذَا الْوَلَدِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَكَبِرَ الْوَلَدُ، وَوُلِدَ لَهُ وَلَدٌ وَكَبِرَ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِمْ أَمَّا حُكْمُ الْمُرْتَدِّ وَالْمُرْتَدَّةِ فَمَعْلُومٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يُسْتَرَقُّ وَيُقْتَلُ، وَالْمُرْتَدَّةُ تُسْتَرَقُّ وَلَا تُقْتَلُ وَتُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ وَأَمَّا حُكْمُ الْأَوْلَادِ فَوَلَدُ الْأَبِ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُسْلِمًا بِإِسْلَامِ أَبَوَيْهِ تَبَعًا لَهُمَا، فَلَمَّا بَلَغَ كَافِرًا فَقَدْ ارْتَدَّ عَنْهُ، وَالْمُرْتَدُّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ رِدَّةٌ حُكْمِيَّةٌ لَا حَقِيقِيَّةٌ لِوُجُودِ الْإِيمَانِ حُكْمًا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ لَا حَقِيقَةً، فَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ لَكِنْ بِالْحَبْسِ لَا بِالسَّيْفِ إثْبَاتًا لِلْحُكْمِ عَلَى قَدْرِ الْعِلَّةِ، وَلَا يُجْبَرُ وَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْوَلَدِ لَا يَتْبَعُ الْجَدَّ فِي الْإِسْلَامِ، إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْكُفَّارُ كُلُّهُمْ مُرْتَدِّينَ لِكَوْنِهِمْ مِنْ أَوْلَادِ آدَمَ وَنُوحٍ- عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- فَيَنْبَغِي أَنْ تَجْرِيَ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ كَانَ مَوْلُودًا فِي الرِّدَّةِ بِأَنْ ارْتَدَّ الزَّوْجَانِ وَلَا وَلَدَ لَهُمَا، ثُمَّ حَمَلَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا بَعْدَ رِدَّتِهَا، وَهُمَا مُرْتَدَّانِ عَلَى حَالِهِمَا، فَهَذَا الْوَلَدُ بِمَنْزِلَةِ أَبَوَيْهِ لَهُ حُكْمُ الرِّدَّةِ، حَتَّى لَوْ مَاتَ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَدَّ لَا يَرِثُ أَحَدًا، وَلَوْ لَحِقَا بِهَذَا الْوَلَدِ بِدَارِ الْحَرْبِ فَبَلَغَ، وَوُلِدَ لَهُ أَوْلَادٌ فَبَلَغُوا، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَى الدَّارِ وَسُبُوا جَمِيعًا، يُجْبَرُ وَلَدُ الْأَبِ وَوَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَلَا يُقْتَلُونَ كَذَا ذَكَرَ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَذَكَرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ وَلَدُ وَلَدِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
(وَجْهُ) مَا ذُكِرَ فِي السِّيَرِ أَنَّ وَلَدَ الْأَبِ تَبَعٌ لِأَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَحْكُومًا بِرِدَّتِهِ تَبَعًا لِأَبَوَيْهِ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ تَبَعٌ لَهُ فَكَانَ مَحْكُومًا بِرِدَّتِهِ تَبَعًا لَهُ، وَالْمُرْتَدُّ يُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ رِدَّةٌ حُكْمِيَّةٌ فَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالْحَبْسِ لَا بِالْقَتْلِ وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْجَامِعِ أَنَّ هَذَا الْوَلَدَ إنَّمَا صَارَ مَحْكُومًا بِرِدَّتِهِ تَبَعًا لِأَبِيهِ، وَالتَّبَعُ لَا يَسْتَتْبِعُ غَيْرَهُ.
وَأَمَّا حُكْمُ الِاسْتِرْقَاقِ فَذُكِرَ فِي السِّيَرِ أَنَّهُ يُسْتَرَقُّ الْإِنَاثُ وَالذُّكُورُ الصِّغَارُ مِنْ أَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّ أُمَّهُمْ مُرْتَدَّةٌ وَهِيَ تَحْتَمِلُ الِاسْتِرْقَاقَ، وَالْوَلَدُ كَمَا تَبِعَ الْأُمَّ فِي الرِّقِّ يَتْبَعُهَا فِي احْتِمَالِ الِاسْتِرْقَاقِ.
وَأَمَّا الْكِبَارُ فَلَا يُسْتَرَقُّونَ لِانْقِطَاعِ التَّبَعِيَّةِ بِالْبُلُوغِ، وَيُجْبَرُونَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَذُكِرَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: الْوِلْدَانُ فَيْءٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ أُمَّهُ مُرْتَدَّةٌ.
وَأَمَّا الْآخَرُ فَلِأَنَّهُ كَافِرٌ أَصْلِيٌّ؛ لِأَنَّ تَبَعِيَّةَ الْأَبَوَيْنِ فِي الرِّدَّةِ قَدْ انْقَطَعَتْ بِالْبُلُوغِ، وَهُوَ كَافِرٌ، فَكَانَ كَافِرًا أَصْلِيًّا، فَاحْتَمَلَ الِاسْتِرْقَاقَ وَلَوْ ارْتَدَّتْ امْرَأَةٌ وَهِيَ حَامِلٌ وَلَحِقَتْ بِدَارِ الْحَرْبِ، ثُمَّ سُبِيَتْ وَهِيَ حَامِلٌ كَانَ وَلَدُهَا فَيْئًا؛ لِأَنَّ السَّبْيَ لَحِقَهُ وَهُوَ فِي حُكْمِ جُزْءِ الْأُمِّ، فَلَا يَبْطُلُ بِالِانْفِصَالِ مِنْ الْأُمِّ وَالذِّمِّيُّ الَّذِي نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ بِمَنْزِلَةِ الْمُرْتَدِّ فِي سَائِرِ الْأَحْكَامِ مِنْ الْإِرْثِ وَالْحُكْمُ بِعِتْقِ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالْمُدَبَّرَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يُوجِبُ لَحَاقَهُ، اللَّحَاقُ بِالْمَوْتِ فِي الْأَحْكَامِ الَّتِي ذَكَرْنَا لَا يُفْصَلُ، إلَّا أَنَّهُمَا يَفْتَرِقَانِ مِنْ وَجْهٍ: وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يُسْتَرَقُّ وَالْمُرْتَدُّ لَا يُسْتَرَقُّ وَجْهُ الْفَرْقِ أَنَّ شَرْعَ الِاسْتِرْقَاقِ لِلتَّوَسُّلِ إلَى الْإِسْلَامِ، وَاسْتِرْقَاقُ الْمُرْتَدِّ لَا يَقَعُ وَسِيلَةً إلَى الْإِسْلَامِ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ رَجَعَ بَعْدَ مَا ذَاقَ طَعْمَ الْإِسْلَامِ، وَعَرَفَ مَحَاسِنَهُ فَلَا يُرْجَى فَلَاحُهُ، بِخِلَافِ الذِّمِّيِّ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.

.فَصْلٌ: بَيَانُ أَحْكَامِ الْبُغَاةِ:

وَأَمَّا بَيَانُ أَحْكَامِ الْبُغَاةِ فَالْكَلَامُ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ: فِي تَفْسِيرِ الْبُغَاةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَلْزَمُ إمَامَ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ وَبِأَمْوَالِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ، وَفِي بَيَانِ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ إصَابَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ، وَفِي بَيَانِ مَا يُصْنَعُ بِقَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَفِي بَيَانِ حُكْمِ قَضَايَاهُمْ أَمَّا تَفْسِيرُ الْبُغَاةِ، فَالْبُغَاةُ هُمْ الْخَوَارِجُ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ رَأْيِهِمْ أَنَّ كُلَّ ذَنْبٍ كُفْرٌ، كَبِيرَةً كَانَتْ أَوْ صَغِيرَةً، يَخْرُجُونَ عَلَى إمَامِ أَهْلِ الْعَدْلِ، وَيَسْتَحِلُّونَ الْقِتَالَ وَالدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ وَقُوَّةٌ.
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَلْزَمُ إمَامَ الْعَدْلِ عِنْدَ خُرُوجِهِمْ فَنَقُولُ- وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: إنْ عَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّ الْخَوَارِجَ يُشْهِرُونَ السِّلَاحَ وَيَتَأَهَّبُونَ لِلْقِتَالِ، فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ وَيَحْبِسَهُمْ حَتَّى يُقْلِعُوا عَنْ ذَلِكَ، وَيُحْدِثُوا تَوْبَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهُمْ لَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَيَأْخُذُهُمْ عَلَى أَيْدِيهِمْ وَلَا يَبْدَؤُهُمْ الْإِمَامُ بِالْقِتَالِ حَتَّى يَبْدَءُوهُ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّهِمْ لَا لِشَرِّ شِرْكِهِمْ لِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ، فَمَا لَمْ يَتَوَجَّهُ الشَّرُّ مِنْهُمْ لَا يُقَاتِلُهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْإِمَامُ بِذَلِكَ حَتَّى تَعَسْكَرُوا وَتَأَهَّبُوا لِلْقِتَالِ فَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْعَدْلِ، وَالرُّجُوعِ إلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ أَوَّلًا لِرَجَاءِ الْإِجَابَةِ وَقَبُولِ الدَّعْوَةِ، كَمَا فِي حَقِّ أَهْلِ الْحَرْبِ.
وَكَذَا رُوِيَ أَنْ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ حَرُورَاءَ نَدَبَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لِيَدْعُوَهُمْ إلَى الْعَدْلِ، فَدَعَاهُمْ وَنَاظَرَ هُمْ، فَإِنْ أَجَابُوا كَفَّ عَنْهُمْ وَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمْ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ} وَكَذَا قَاتَلَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَهْلَ حَرُورَاءَ بِالنَّهْرَوَانِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِسَيِّدِنَا عَلِيٍّ «إنَّكَ تُقَاتِلُ عَلَى التَّأْوِيلِ كَمَا تُقَاتِلُ عَلَى التَّنْزِيلِ» وَالْقِتَالُ عَلَى التَّأْوِيلِ هُوَ الْقِتَالُ مَعَ الْخَوَارِجِ، وَدَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى إمَامَةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَبَّهَ قِتَالَ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى التَّأْوِيلِ بِقِتَالِهِ عَلَى التَّنْزِيلِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِتَالِهِ بِالتَّنْزِيلِ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ مُحِقًّا فِي قِتَالِهِ بِالتَّأْوِيلِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إمَامَ حَقٍّ لَمَا كَانَ مُحِقًّا فِي قِتَالِهِ إيَّاهُمْ، وَلِأَنَّهُمْ سَاعُونَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ فَيُقْتَلُونَ دَفْعًا لِلْفَسَادِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.
وَإِنْ قَاتَلَهُمْ قَبْلَ الدَّعْوَةِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الدَّعْوَةَ قَدْ بَلَغَتْهُمْ لِكَوْنِهِمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، وَمِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ دَعَاهُ الْإِمَامُ إلَى قِتَالِهِمْ أَنْ يُجِيبَهُ إلَى ذَلِكَ وَلَا يَسَعُهُ التَّخَلُّفُ إذَا كَانَ عِنْدَهُ غِنًى وَقُدْرَةٌ؛ لِأَنَّ طَاعَةَ الْإِمَامِ فِيمَا لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ فَرْضٌ، فَكَيْفَ فِيمَا هُوَ طَاعَةٌ؟ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُوَفِّقُ وَمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَيَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْتَزِلَ الْفِتْنَةَ، وَيَلْزَمَ بَيْتَهُ، مَحْمُولٌ عَلَى وَقْتٍ خَاصٍّ، وَهُوَ أَنْ لَا يَكُونَ إمَامٌ يَدْعُوهُ إلَى الْقِتَالِ وَأَمَّا إذَا كَانَ فَدَعَاهُ يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ الْإِجَابَةُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِهِمْ وَبِأَمْوَالِهِمْ عِنْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى أَمْوَالِهِمْ فَنَقُولُ: الْإِمَامُ إذَا قَاتَلَ أَهْلَ الْبَغْيِ فَهَزَمَهُمْ وَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا، فَيَنْبَغِي لِأَهْلِ الْعَدْلِ أَنْ يَقْتُلُوا مُدْبِرَهُمْ وَيُجْهِزُوا عَلَى جَرِيحِهِمْ لِئَلَّا يَتَحَيَّزُوا إلَى الْفِئَةِ فَيَمْتَنِعُوا بِهَا فَيَكُرُّوا عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ وَأَمَّا أَسِيرُهُمْ فَإِنْ شَاءَ الْإِمَامُ قَتَلَهُ اسْتِئْصَالًا لِشَأْفَتِهِمْ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ لِانْدِفَاعِ شَرِّهِ بِالْأَسْرِ وَالْحَبْسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ يَتَحَيَّزُونَ إلَيْهَا لَمْ يَتْبَعْ مُدْبِرَهُمْ، وَلَمْ يُجْهِزْ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَمْ يَقْتُلْ أَسِيرَهُمْ؛ لِوُقُوعِ الْأَمْنِ عَنْ شَرِّهِمْ عِنْدَ انْعِدَامِ الْفِئَةِ.
(وَأَمَّا) أَمْوَالُهُمْ الَّتِي ظَهَرَ أَهْلُ الْعَدْلِ عَلَيْهَا فَلَا بَأْسَ بِأَنْ يَسْتَعِينُوا بِكُرَاعِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ عَلَى قِتَالِهِمْ كَسْرًا لِشَوْكَتِهِمْ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهَا أَمْسَكَهَا الْإِمَامُ لَهُمْ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ لَا تَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ بِالِاسْتِيلَاءِ لِكَوْنِهِمْ مُسْلِمِينَ، وَلَكِنْ يَحْبِسُهَا عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَزُولَ بَغْيُهُمْ فَإِذَا زَالَ رَدَّهَا عَلَيْهِمْ، وَكَذَا مَا سِوَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ مِنْ الْأَمْتِعَةِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَكِنْ يُمْسَكُ وَيُحْبَسُ عَنْهُمْ إلَى أَنْ يَزُولَ بَغْيُهُمْ فَيُدْفَعَ إلَيْهِمْ لِمَا قُلْنَا وَيُقَاتَلُ أَهْلُ الْبَغْيِ بِالْمَنْجَنِيقِ وَالْحَرْقِ وَالْغَرَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُقَاتَلُ بِهِ أَهْلُ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ قِتَالَهُمْ لَدَفْعِ شَرِّهِمْ وَكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيُقَاتَلُونَ بِكُلِّ مَا يَحْصُلُ بِهِ ذَلِكَ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُوَادِعَهُمْ لِيَنْظُرُوا فِي أُمُورِهِمْ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذُوا عَلَى ذَلِكَ مَالًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَنْ يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْهُمْ، وَمَنْ لَا يَجُوزُ فَكُلُّ مَنْ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ مِنْ الصِّبْيَانِ وَالنِّسْوَانِ وَالْأَشْيَاخِ وَالْعُمْيَانِ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّ قَتْلَهُمْ لِدَفْعِ شَرِّ قِتَالِهِمْ فَيَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْقِتَالِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَلَا يُقْتَلُونَ إلَّا إذَا قَاتَلُوا، فَيُبَاحُ قَتْلُهُمْ فِي حَالِ الْقِتَالِ وَبَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْقِتَالِ، إلَّا الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي حُكْمِ أَهْلِ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) الْعَبْدُ الْمَأْسُورُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَإِنْ كَانَ قَاتَلَ مَعَ مَوْلَاهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَخْدُمُ مَوْلَاهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَلَكِنْ يُحْبَسُ حَتَّى يَزُولَ بَغْيُهُمْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِمْ.
(وَأَمَّا) الْكُرَاعُ فَلَا يُمْسَكُ وَلَكِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْبَسُ ثَمَنُهُ لِمَالِكِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَادِلِ أَنْ يَبْتَدِئَ بِقَتْلِ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مُبَاشَرَةً، وَإِذَا أَرَادَ هُوَ قَتْلَهُ، لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَنْدَفِعُ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَبَّبَ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ، بِأَنْ يَعْقِرَ دَابَّتَهُ لِيَتَرَجَّلَ فَيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ بِخِلَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَتْلُ سَائِرِ ذَوِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْهُ مُبَاشَرَةً وَتَسَبُّبًا ابْتِدَاءً إلَّا الْوَالِدَيْنِ.
(وَوَجْهُ) الْفَرْقِ أَنَّ الشِّرْكَ فِي الْأَصْلِ مُبِيحٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} إلَّا أَنَّهُ خُصَّ مِنْهُ الْأَبَوَانِ بِنَصٍّ خَاصٍّ حَيْثُ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} فَبَقِيَ غَيْرُهُمَا عَلَى عُمُومِ النَّصِّ بِخِلَافِ أَهْلِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ فِي الْأَصْلِ عَاصِمٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» وَالْبَاغِي مُسْلِمٌ، إلَّا أَنَّهُ أُبِيحَ قَتْلُ غَيْرِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ دَفْعًا لِشَرِّهِمْ لَا لِشَوْكَتِهِمْ، وَدَفْعُ الشَّرِّ يَحْصُلُ بِالدَّفْعِ وَالتَّسْبِيبِ لِيَقْتُلَهُ غَيْرُهُ، فَبَقِيَتْ الْعِصْمَةُ عَمَّا وَرَاءَ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْعَاصِمِ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ إصَابَةِ الدِّمَاءِ وَالْأَمْوَالِ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَنَقُولُ: لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَادِلَ إذَا أَصَابَ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ مِنْ دَمٍ أَوْ جِرَاحَةٍ أَوْ مَالٍ اسْتَهْلَكَهُ، إنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
(وَأَمَّا) الْبَاغِي إذَا أَصَابَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ، قَالَ أَصْحَابُنَا: إنَّ ذَلِكَ مَوْضُوعٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ: إنَّهُ مَضْمُونٌ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْبَاغِيَ جَانٍ فَيَسْتَوِي فِي حَقِّهِ وُجُودُ الْمَنَعَةِ وَعَدَمُهَا؛ لِأَنَّ الْجَانِيَ يَسْتَحِقُّ التَّغْلِيظَ دُونَ التَّخْفِيفِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْ الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ قَالَ: وَقَعَتْ الْفِتْنَةُ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَافِرُونَ فَاتَّفَقُوا أَنَّ كُلَّ دَمٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَكُلُّ مَالٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَكُلُّ فَرْجٍ اُسْتُحِلَّ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَمِثْلُهُ لَا يَكْذِبُ فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى مَا قُلْنَا.
وَإِنَّهُ حُجَّةٌ قَاطِعَةٌ، وَالْمَعْنَى فِي الْمَسْأَلَةِ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَهُوَ أَنَّ لَهُمْ فِي الِاسْتِحْلَالِ تَأْوِيلًا فِي الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ فَاسِدًا لَكِنَّ لَهُمْ مَنَعَةً، وَالتَّأْوِيلُ الْفَاسِدُ عِنْدَ قِيَامِ الْمَنَعَةِ يَكْفِي لِرَفْعِ الضَّمَانِ، كَتَأْوِيلِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ مُنْقَطِعَةٌ لِوُجُودِ الْمَنَعَةِ، فَلَمْ يَكُنْ الْوُجُوبُ مُفِيدًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ فَلَمْ يَجِبْ، وَلَوْ فَعَلُوا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ الْخُرُوجِ وَظُهُورِ الْمَنَعَةِ أَوْ بَعْدَ الِانْهِزَامِ وَتَفَرُّقِ الْجَمْعِ يُؤْخَذُونَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمَنَعَةَ إذَا انْعَدَمَتْ الْوِلَايَةُ وَبَقِيَ مُجَرَّدُ تَأْوِيلٍ فَاسِدٍ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي دَفْعِ الضَّمَانِ، وَلَوْ قَتَلَ تَاجِرٌ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ تَاجِرًا آخَرَ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فِي عَسْكَرِ أَهْلِ الْبَغْيِ، أَوْ قَتَلَ الْأَسِيرُ مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ أَسِيرًا آخَرَ أَوْ قَطَعَ، ثُمَّ ظُهِرَ عَلَيْهِ فَلَا قِصَاصَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ مُوجِبًا لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ وَانْعِدَامِ الْوِلَايَةِ، كَمَا لَوْ قَطَعَ فِي دَارِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ عَسْكَرَ أَهْلِ الْبَغْيِ فِي حَقِّ انْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ.
وَدَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْعَادِلَ إذَا قَتَلَ بَاغِيًا لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ قَتْلُ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِسُقُوطِ عِصْمَةِ نَفْسِهِ وَأَمَّا الْبَاغِي إذَا قَتَلَ الْعَادِلَ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ إنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ، وَكُنْتُ عَلَى حَقٍّ وَأَنَا الْآنَ عَلَى حَقٍّ لَا يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ وَإِنْ قَالَ: قَتَلْتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى بَاطِلٍ يُحْرَمُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ تَأْوِيلَهُ فَاسِدٌ، إلَّا أَنَّهُ أُلْحِقَ بِالصَّحِيحِ عِنْدَ وُجُودِ الْمَنَعَةِ فِي حَقِّ الدَّفْعِ لَا فِي حَقِّ الِاسْتِحْقَاقِ، فَلَا يُعْتَبَرُ فِي حَقِّ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّا نَعْتَبِرُ تَأْوِيلَهُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ وَالِاسْتِحْقَاقِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِ الْمِيرَاثِ هُوَ الْقَرَابَةُ، وَأَنَّهَا مَوْجُودَةٌ، إلَّا أَنَّ قَتْلَ نَفْسٍ بِغَيْرِ حَقٍّ سَبَّبَ الْحِرْمَانَ فَإِذَا قَتَلَهُ عَلَى تَأْوِيلِ الِاسْتِحْلَالِ، وَالْمَنَعَةُ مَوْجُودَةٌ اعْتَبَرْنَاهُ فِي حَقِّ الدَّفْعِ وَهُوَ دَفْعُ الْحِرْمَانِ، فَأَشْبَهَ الضَّمَانَ، إلَّا أَنَّهُ إذَا قَالَ: قَتَلْتُهُ وَأَنَا أَعْلَمُ أَنِّي عَلَى بَاطِلٍ يُحْرَمُ الْمِيرَاثَ؛ لِأَنَّ التَّأْوِيلَ الْفَاسِدَ إنَّمَا يَلْحَقُ بِالصَّحِيحِ إذَا كَانَ مُصِرًّا عَلَيْهِ، فَإِذَا لَمْ يُصِرَّ، فَلَا تَأْوِيلَ لَهُ، فَلَا يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّمَانُ وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ مَا يُصْنَعُ بِقَتْلَى الطَّائِفَتَيْنِ فَنَقُولُ- وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ:
(أَمَّا) قَتْلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فَيُصْنَعُ بِهِمْ مَا يُصْنَعُ بِسَائِرِ الشُّهَدَاءِ، لَا يُغَسَّلُونَ، وَيُدْفَنُونَ فِي ثِيَابِهِمْ، وَلَا يُنْزَعُ عَنْهُمْ إلَّا مَا لَا يَصْلُحُ كَفَنًا، وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ شُهَدَاءُ لِكَوْنِهِمْ مَقْتُولِينَ ظُلْمًا وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ زَيْدَ بْنَ صُوحَانَ الْيَمَنِيَّ كَانَ يَوْمَ الْجَمَلِ تَحْتَ رَايَةِ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَأَوْصَى فِي رَمَقِهِ: لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا، وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا، وَارْمُسُونِي فِي التُّرَابِ رَمْسًا، فَإِنِّي رَجُلٌ مُحَاجٌّ أُحَاجُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
(وَأَمَّا) قَتْلَى أَهْلِ الْبَغْيِ فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا صَلَّى عَلَى أَهْلِ حَرُورَاءَ، وَلَكِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُكَفَّنُونَ وَيُدْفَنُونَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَّةِ مَوْتَى بَنِي سَيِّدِنَا آدَمَ- عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-.
وَيُكْرَهُ أَنْ تُؤْخَذَ رُءُوسُهُمْ، وَتُبْعَثَ إلَى الْآفَاقِ، وَكَذَلِكَ رُءُوسُ أَهْلِ الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْمُثْلَةِ، وَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «لَا لَا تُمَثِّلُوا» فَيُكْرَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ وَهَنٌ لَهُمْ، فَلَا بَأْسَ بِهِ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَزَّ رَأْسَ أَبِي جَهْلٍ- عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ- يَوْمَ بَدْرٍ وَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ أَبَا جَهْلٍ كَانَ فِرْعَوْنَ هَذِهِ الْأُمَّةِ» وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ.
وَيُكْرَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ لَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ كَالْحَدِيدِ وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِيرُ سِلَاحًا إلَّا بِالْعَمَلِ وَنَظِيرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ الْمِزْمَارُ، وَهُوَ الْخَشَبُ وَالْقَصَبُ، وَكَذَا بَيْعُ الْخَمْرِ بَاطِلٌ، وَلَا يَبْطُلُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ، وَهُوَ الْعِنَبُ كَذَا هَذَا وَاَللَّهُ- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- أَعْلَمُ.
(وَأَمَّا) بَيَانُ حُكْمِ قَضَايَاهُمْ، فَنَقُولُ: الْخَوَارِجُ إذَا وَلَّوْا قَاضِيًا فَالْأَمْرُ لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ وَجْهَيْنِ: إمَّا أَنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَإِمَّا أَنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَإِنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ فَقَضَى بِقَضَايَا ثُمَّ رُفِعَتْ قَضَايَاهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ لَا يُنْفِذُهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهَا حَقًّا؛ لِأَنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ دِمَاءَنَا وَأَمْوَالَنَا، فَاحْتَمَلَ أَنَّهُ قَضَى بِمَا هُوَ بَاطِلٌ عَلَى رَأْيِ الْجَمَاعَةِ، فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَنْفِيذُهُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَلَوْ كَتَبَ قَاضِي أَهْلِ الْبَغْيِ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ بِكِتَابٍ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ قَضَى بِشَهَادَةِ أَهْلِ الْعَدْلِ أَنْفَذَهُ؛ لِأَنَّهُ تَنْفِيذٌ لِحَقٍّ ظَاهِرٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ لَا يُنْفِذُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ حَقًّا، فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ لِقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَك بِهِ عِلْمٌ} وَإِنْ وَلَّوْا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْعَدْلِ فَقَضَى فِيمَا بَيْنَهُمْ بِقَضَايَا، ثُمَّ رُفِعَتْ قَضَايَاهُ إلَى قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ نَفَّذَهَا؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ إيَّاهُ قَدْ صَحَّتْ، وَلِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَنْفِيذِ الْقَضَايَا بِمَنْعَتِهِمْ وَقُوَّتِهِمْ، فَصَحَّتْ التَّوْلِيَةُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَضَى عَلَى رَأْيِ أَهْلِ الْعَدْلِ، فَلَا يَمْلِكُ إبْطَالَهُ، كَمَا إذَا رُفِعَتْ قَضَايَا قَاضِي أَهْلِ الْعَدْلِ إلَى بَعْضِ قُضَاةِ أَهْلِ الْعَدْلِ.
وَمَا أَخَذُوا مِنْ الْبِلَادِ الَّتِي ظَهَرُوا عَلَيْهَا مِنْ الْخَرَاجِ وَالزَّكَاةِ الَّتِي وِلَايَةُ أَخْذِهَا لِلْإِمَامِ لَا يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ ثَانِيًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْأَخْذِ لِلْإِمَامِ لِمَكَانِ حِمَايَتِهِ، وَلَمْ تُوجَدْ، إلَّا أَنَّهُمْ يُفْتُونَ بِأَنْ يُعِيدُوا الزَّكَاةَ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَا يَصْرِفُونَهَا إلَى مَصَارِفهَا، فَأَمَّا الْخَرَاجُ فَمَصْرِفُهُ الْمُقَاتِلَةُ، وَهُمْ يُقَاتِلُونَ أَهْلَ الْحَرْبِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

.كِتَابُ الْغَصْبِ:

جَمَعَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْغَصْبِ بَيْنَ مَسَائِلِ الْغَصْبِ وَبَيْنَ مَسَائِلِ الْإِتْلَافِ، وَبَدَأَ بِمَسَائِلِ الْغَصْبِ، فَنَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: مَعْرِفَةُ مَسَائِلِ الْغَصْبِ فِي الْأَصْلِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ حَدِّ الْغَصْبِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ اخْتِلَافِ الْغَاصِبِ وَالْمَغْصُوبِ مِنْهُ.
(أَمَّا) حَدُّ الْغَصْبِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: هُوَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ الْمُتَقَوِّمِ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَاهَرَةِ وَالْمُغَالَبَةِ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِ وَقَالَ مُحَمَّد رَحِمَهُ اللَّهُ: الْفِعْلُ فِي الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ؛ لِكَوْنِهِ غَصْبًا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالٍ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَالْإِزَالَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ.
(أَمَّا) الْكَلَامُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهُوَ احْتَجَّ لِتَمْهِيدِ أَصْلِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا} جَعَلَ الْغَصْبَ مَصْدَرَ الْأَخْذِ، فَدَلَّ أَنَّ الْغَصْبَ وَالْأَخْذَ وَاحِدٌ، وَالْأَخْذُ: إثْبَاتُ الْيَدِ، إلَّا أَنَّ الْإِثْبَاتَ إذَا كَانَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ يُسَمَّى: إيدَاعًا وَإِعَارَةً وَإِبْضَاعًا فِي عُرْفِ الشَّرْعِ، وَإِذَا كَانَ بِغَيْرِ إذْن الْمَالِكِ يُسَمَّى فِي مُتَعَارَفِ الشَّرْعِ: غَصْبًا، وَلِأَنَّ الْغَصْبَ إنَّمَا جُعِلَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ تَعَدِّيًا، فَإِذَا وَقَعَ الْإِثْبَاتُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ وَقَعَ تَعَدِّيًا، فَيَكُونُ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ بِوَصْفِ كَوْنِهِ تَعَدِّيًا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: أَنْ غَاصِبَ الْغَاصِبِ ضَامِنٌ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ لِزَوَالِهَا بِغَصْبِ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ، وَإِزَالَةُ الزَّائِلِ مُحَالٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
(وَلَنَا) الِاسْتِدْلَال بِضَمَانِ الْغَصْبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَالِكَ اسْتَحَقَّ إزَالَةَ يَدِ الْغَاصِبِ عَنْ الضَّمَانِ، فلابد وَأَنْ يَكُونَ الْغَصْبُ مِنْهُ إزَالَةَ يَدِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يُشَرِّعْ الِاعْتِدَاءَ إلَّا بِالْمِثْلِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَالثَّانِي: أَنَّ ضَمَانَ الْغَصْبِ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ ضَمَانَ زَجْرٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ ضَمَانَ جَبْرٍ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الزَّجْرِ، وَلِأَنَّ الِانْزِجَارَ لَا يَحْصُلُ بِهِ، فَدَلَّ أَنَّهُ: ضَمَانُ جَبْرٍ، وَالْجَبْرُ يَسْتَدْعِي الْفَوَاتَ، فَدَلَّ أَنَّهُ لابد مِنْ التَّفْوِيتِ لِتَحَقُّقِ الْغَصْبِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَسَّرَ أَخْذَ الْمَلِكِ تِلْكَ السَّفِينَةَ بِغَصْبِهِ إيَّاهَا، كَأَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَغْصِبُ كُلَّ سَفِينَةٍ وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَخْذٍ غَصْبٌ، بَلْ هِيَ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ غَصْبَ ذَلِكَ الْمَلِكِ كَانَ إثْبَاتَ الْيَدِ عَلَى السَّفِينَةِ مَعَ إزَالَةِ أَيْدِي الْمَسَاكِينِ عَنْهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْغَصْبَ إثْبَاتٌ عَلَى وَجْهٍ يَتَضَمَّنُ الْإِزَالَةَ.
(وَأَمَّا) قَوْلُهُ: الْغَصْبُ إنَّمَا أَوْجَبَ الضَّمَانَ لِكَوْنِهِ تَعَدِّيًا فَمُسَلَّمٌ، لَكِنَّ التَّعَدِّيَ فِي الْإِزَالَةِ لَا فِي الْإِثْبَاتِ؛ لِأَنَّ وُقُوعَهُ تَعَدِّيًا بِوُقُوعِهِ ضَارًّا بِالْمَالِكِ، وَذَلِكَ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، وَإِعْجَازِهِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهُوَ تَفْسِيرُ تَفْوِيتِ الْيَدِ وَإِزَالَتِهَا.
(فَأَمَّا) مُجَرَّدُ الْإِثْبَاتِ فَلَا ضَرَرَ فِيهِ، فَلَمْ يَكُنْ الْإِثْبَاتُ تَعَدِّيًا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ يَخْرُجُ زَوَائِدُ الْغَصْبِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً كَالْوَلَدِ وَاللَّبَنِ وَالثَّمَرَةِ، أَوْ مُتَّصِلَةً كَالسِّمَنِ وَالْجَمَالِ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ الْمَالِكِ وَقْتَ غَصْبِ الْأُمِّ، فَلَمْ تُوجَدْ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهَا، فَلَمْ يُوجَدْ الْغَصْبُ.
وَعِنْد مُحَمَّدٍ مَضْمُونَةٌ؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ عِنْدَهُ: إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَقَدْ وُجِدَ الْغَصْبُ، وَهَلْ تَصِيرُ مَضْمُونَةً عِنْدَنَا بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَالْمَنْعِ أَوْ الِاسْتِهْلَاكِ أَوْ الِاسْتِخْدَامِ جَبْرًا.
(أَمَّا) الْمُنْفَصِلَةُ: فَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَنَّهَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِهَا.
(وَأَمَّا) الْمُتَّصِلَةُ: فَذَكَرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهَا تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ: إذَا غَصَبَ جَارِيَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَازْدَادَتْ فِي بَدَنِهَا خَيْرًا حَتَّى صَارَتْ قِيمَتهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ فَبَاعَهَا، وَسَلَّمَهَا إلَى الْمُشْتَرِي فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا أَلْفَيْ دِرْهَم، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْبَائِعَ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُشْتَرِي ضَمَّنَهُ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْبَائِعِ ضَمَّنَهُ بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ قِيمَتَهَا أَلْفَيْ دِرْهَمٍ أَيْضًا، كَذَا ذَكَرَ فِي الْأَصْلِ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِلَافَ.
وَحَكَى ابْنُ سِمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ الْخِلَافَ: أَنْ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهَا يَوْمَ الْقَبْضِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهَا يَوْمَ الْغَصْبِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ زِيَادَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ فِي الْمُنْتَقَى، وَحَكَى الْخِلَافَ، وَهَكَذَا ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ، إلَّا أَنَّهُ ذَكَرَ الِاسْتِهْلَاكَ مُطْلَقًا، فَقَالَ: إلَّا أَنْ يَسْتَهْلِكَهَا، وَفَسَّرَهُ الْجَصَّاصُ فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ فَقَالَ: إلَّا أَنْ يَكُونَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً فَيُقْتَلُ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، أَنَّ الْمَغْصُوبَ إذَا كَانَ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً فَقَتَلَهُ الْغَاصِبُ خَطَأً يَكُونُ الْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ قِيمَتَهُ يَوْمَ الْغَصْبِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ عَاقِلَةَ الْقَاتِلِ قِيمَتَهُ وَقْتَ الْقَتْلِ زَائِدَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّ الْبَيْعَ وَالتَّسْلِيمَ غَصْبٌ؛ لِأَنَّهُ تَفْوِيتُ إمْكَانِ الْأَخْذِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَخْذِهِ مِنْهُ قَبْلَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، وَبَعْدَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ لَمْ يَبْقَ مُتَمَكِّنًا، وَتَفْوِيتُ إمْكَانِ الْأَخْذِ تَفْوِيتُ الْيَدِ مَعْنًى، فَكَانَ غَصْبًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ، وَهَذَا لِأَنَّ تَفْوِيتَ يَدِ الْمَالِكِ إنَّمَا كَانَ غَصْبًا مُوجِبًا لِلضَّمَانِ؛ لِكَوْنِهِ إخْرَاجَ الْمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِك، وَإِعْجَازُهُ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِمَالِهِ، وَهَذَا يَحْصُلُ بِتَفْوِيتِ إمْكَانِ الْأَخْذِ فَيُوجِبُ الضَّمَانَ، وَلِهَذَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى غَاصِبِ الْغَاصِبِ وَمُودِعِ الْغَاصِبِ وَالْمُشَتَّرِي مِنْ الْغَاصِبِ، كَذَا هَذَا وَلِأَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْأَصْلَ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ الْأَوَّلِ، فَلَا يَقَعُ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ غَصْبًا لَهُ؛ لِأَنَّ غَصْبَ الْمَغْصُوبِ لَا يُتَصَوَّرُ، وَالزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ لَا يُتَصَوَّرُ إفْرَادُهَا بِالْغَصْبِ لِتَصِيرَ مَغْصُوبَةً بِالْبَيِّعِ وَالتَّسْلِيمِ، بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ فَإِنْ إفْرَادَهَا بِالْغَصْبِ بِدُونِ الْأَصْلِ مُتَصَوَّرٌ، فَلَمْ تَكُنْ مَغْصُوبَةً بِالْغَصْبِ الْأَوَّلِ لِانْعِدَامِهَا، فَجَازَ أَنْ تَصِيرَ مَغْصُوبَةً بِالْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ، فَهَذَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزِّيَادَتَيْنِ، وَبِخِلَافِ الْقَتْل؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْمَغْصُوبِ مُتَصَوَّرٌ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ الْقَتْلِ غَيْرُ مَحَلِّ الْغَصْبِ، فَمَحَلُّ الْقَتْلِ هُوَ الْحَيَاةُ، وَمَحَلُّ الْغَصْبِ هُوَ مَالِيَّةُ الْعَيْنِ، فَتَحَقُّقُ الْغَصْبِ لَا يَمْنَعُ تَحَقُّقُ الْقَتْلِ، إلَّا أَنَّ الْمَضْمُونَ وَاحِدٌ، وَالْمُسْتَحَقُّ لِلضَّمَانِ وَاحِدٌ، فَيُخَيَّرُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ السَّابِقِ لَا شَكَّ فِيهِ، فَيَصِيرُ مَمْلُوكًا لِلْغَاصِبِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ.
(وَأَمَّا) الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ: فَالزِّيَادَةُ حَصَلَتْ عَلَى مِلْكِ الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِهِ فَتَكُونُ مِلْكَهُ، فَكَانَ الْبَيْعُ وَالتَّسْلِيمُ وَالْمَنْعُ وَالِاسْتِخْدَامُ وَالِاسْتِهْلَاكُ فِي غَيْرِ بَنِي آدَمَ تَصَرُّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، فَلَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ فِي سَائِرِ أَمْلَاكِهِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ؛ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا الْمِلْكَ بِطَرِيقِ الِاسْتِنَادِ فَالْمُسْتَنَدُ يَظْهَرُ مِنْ وَجْهٍ وَيَقْتَصِرُ عَلَى الْحَالِ مِنْ وَجْهٍ، فَيُعْمَلُ بِشُبْهَةِ الظُّهُورِ فِي الزَّوَائِدِ الْمُتَّصِلَةِ وَبِشُبْهَةِ الِاقْتِصَارِ فِي الْمُنْفَصِلَةِ، إذْ لَا يَكُونُ الْعَمَلُ بِهِ عَلَى الْعَكْسِ لِيَكُونَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ.
(وَأَمَّا) عَلَى طَرِيقِ الظُّهُورِ الْمَحْضِ فَتَخْرِيجُهُمَا مُشْكِلٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى الْمُوَفِّقُ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ إنَّمَا يَضْمَنُ بِالْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ، وَالْغَاصِب إنَّمَا مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ وَقْتِ الْغَصْبِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ مَالٌ لَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا يَحْتَمِلُ التَّمَلُّكَ، فَلَمْ يَكُنْ هُوَ بِالْقَتْلِ مُتَصَرِّفًا فِي مِلْكِ نَفْسِهِ، لِهَذَا افْتَرَقَا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
ثُمَّ عَلَى أَصْلِهَا: إذَا اخْتَارَ الْمَالِكُ تَضْمِينَ الْبَائِعِ، هَلْ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقْتَ الْبَيْعِ، وَبَيْنَ أَنْ يُضَمِّنَهُ أَلْفَ دِرْهَمٍ وَقْتَ الْغَصْبِ، قَالَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا: يَثْبُتُ، وَهَذَا غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عِنْدَ اتِّحَادِ الذِّمَّةِ مِنْ بَابِ السَّفَهِ، بِخِلَافِ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الذِّمَّةَ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مَلِيًّا وَالْآخَر مُفْلِسًا، فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا وَبِخِلَافِ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الْقَتْلِ ضَمَانُ الدَّمِ وَأَنَّهُ مُؤَجَّلٌ إلَى ثَلَاثِ سِنِينَ، وَضَمَانَ الْغَصْبِ ضَمَانُ الْمَالِ وَأَنَّهُ حَالٌّ، فَكَانَ التَّخْيِيرُ مُفِيدًا، ثُمَّ إذَا ضَمَّنَ الْمَالِكُ الْغَاصِبَ قِيمَةَ الْمَغْصُوبِ وَقْتَ الْغَصْبِ أَوْ وَقْتَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ جَازَ الْبَيْعُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ بَاعَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَالثَّمَنُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ مِلْكِهِ وَإِنْ ضَمِنَ الْمُشْتَرِي قِيمَتَهُ وَقْتَ الْقَبْضِ بَطَلَ الْبَيْعُ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِالضَّمَانِ.
، وَلَوْ غَصَبَ مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا، فَجَاءَ آخَرُ وَغَصَبَهُ مِنْهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، فَالْمَالِكُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الثَّانِي أَمَّا تَضْمِينُ الْأَوَّلِ فَلِوُجُودِ فِعْلِ الْغَصْبِ مِنْهُ: وَهُوَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ.
وَأَمَّا تَضْمِينُهُ الثَّانِيَ؛ فَلِأَنَّهُ فَوَّتَ يَدَ الْغَاصِبِ الْأَوَّلِ، وَيَدُهُ يَدُ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْفَظُ مَالَهُ وَيَتَمَكَّنُ مِنْ رَدِّهِ عَلَى الْمَالِكِ وَيَسْتَقِرُّ بِهِمَا الضَّمَانُ فِي ذِمَّتِهِ، فَكَانَتْ مَنْفَعَةُ يَدِهِ عَائِدَةً إلَى الْمَالِكِ، فَأَشْبَهَتْ يَدَ الْمُودِعِ، وَقَدْ وُجِدَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ، إلَّا أَنَّ الْمَضْمُونَ وَاحِدٌ فَخَيَّرْنَا الْمَالِكَ لِتَعَيُّنِ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ اخْتَارَ أَنْ يُضَمِّنَ الْأَوَّلَ رَجَّعَ بِالضَّمَانِ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَغْصُوبَ مِنْ وَقْتِ غَصْبِهِ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الثَّانِي غَصَبَ مِلْكَهُ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الثَّانِي لَا يُرْجَعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَهُوَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ مِنْ وَجْهِ عَلَى مَا بَيَّنَّا، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَهْلَكَهُ الْغَاصِبُ الثَّانِي، وَمَتَى اخْتَارَ تَضْمِينَ أَحَدِهِمَا، هَلْ يَبْرَأُ الْآخَرُ عَنْ الضَّمَانِ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ؟ ذَكَرَ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ يَبْرَأُ، حَتَّى لَوْ أَرَادَ تَضْمِينَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
وَرَوَى ابْنُ سِمَاعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي نَوَادِرِهِ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مَا لَمْ يَرْضَ مَنْ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ أَوْ يَقْضِي بِهِ عَلَيْهِ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ النَّوَادِرِ أَنَّ عِنْدَ وُجُودِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ صَارَ الْمَغْصُوبُ مِلْكًا لِلَّذِي ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بَعْدَ تَمْلِيكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا قَبْلَ وُجُودِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ بِالضَّمَانِ صَارَ الْمَغْصُوبُ مِلْكًا لِلَّذِي ضَمِنَهُ؛ لِأَنَّهُ بَاعَهُ مِنْهُ، فَلَا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ بَعْدَ تَمْلِيكِهِ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ مِنْ الْأَوَّلِ، فَأَمَّا قَبْلَ وُجُودِ الرِّضَا أَوْ الْقَضَاءِ، فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّمْلِيكُ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَلَهُ أَنْ يَمْلِكَهُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ.
(وَجْهُ) رِوَايَةِ الْجَامِعِ مَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ بِاخْتِيَارِهِ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ الْآخَرِ أَظْهَرَ أَنَّهُ رَاضٍ بِأَخْذِ الْأَوَّلِ، وَإِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُودِعِ، وَبِاخْتِيَارِ تَضْمِينِ الْأَوَّلِ أَظْهَرَ أَنَّ الثَّانِي مَا أَتْلَفَ عَلَيْهِ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوِّتْ يَدَهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ بَاعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ مِنْ الثَّانِي فَهَلَكَ فِي يَدِهِ، يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فَيُضَمِّنُ أَيَّهمَا شَاءَ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ جَازَ بَيْعُهُ وَالثَّمَنُ لَهُ لِمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ بَطَلَ الْبَيْعُ وَلَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْبَائِعِ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَيْهِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُشْتَرِي، وَلَوْ كَانَ الْمَغْصُوبُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ، نَفَذَ إعْتَاقُهُ اسْتِحْسَانًا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَزُفَرَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ لَا يَنْفُذُ قِيَاسًا، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَجَازَ الْمَالِكُ الْبَيْعَ الْأَوَّلَ أَنَّهُ لَا يَنْفُذُ الْبَيْعُ الثَّانِي.
(وَجْهُ) الْقِيَاسِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «لَا عِتْقَ فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ ابْنُ آدَمَ وَلَا مِلْكَ لِلْمُشْتَرِي فِي الْعَبْدِ»؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ، فَلَا يَنْعَقِدُ إعْتَاقُهُ فِيهِ فَيَنْفُذُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِجَازَةِ، وَلِهَذَا لَمْ يَنْفُذْ بَيْعُهُ.
(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ إعْتَاقَ الْمُشْتَرِي صَادَفَ مِلْكًا عَلَى التَّوَقُّفِ فَيَنْعَقِدُ عَلَى التَّوَقُّفِ، كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْوَارِثِ عَبْدًا مِنْ التَّرِكَةِ الْمُسْتَغْرِقَةِ بِالدِّينِ إذَا أَعْتَقَهُ، ثُمَّ أَبْرَأَ الْغُرَمَاءُ الْمَيِّتَ عَنْ دُيُونِهِمْ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْإِعْتَاقَ صَادَفَ مِلْكًا عَلَى التَّوَقُّفِ:
أَنَّ سَبَبَ الْمِلْكِ انْعَقَدَ عَلَى التَّوَقُّفِ وَهُوَ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ الْخَالِي عَنْ الشَّرْطِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْعِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ الْمَالِكِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي التَّوَقُّفِ فَيَتَوَقَّفُ، وَإِذَا تَوَقَّفَ سَبَبُ الْمِلْكِ يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ فَيَتَوَقَّفُ الْإِعْتَاقُ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ يَعْتَمِدُ شُرُوطًا أُخَرُ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ قِيَامِ الْمِلْكِ لِمَعْنَى الْغَرَرِ، وَفِي تَوْقِيفِ نَفَاذِ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ تَحْقِيقُ مَعْنَى الْغَرَرِ، وَلَوْ أَوْدَعَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُودَعِ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ فِي التَّضْمِينِ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَوْدَعَ مِلْكَ نَفْسِهِ.
وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُودَعَ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ بِالْإِيدَاعِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِضَمَانِ الْغَرَرِ، وَهُوَ ضَمَانُ الِالْتِزَامِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُودَعُ فَالْجَوَابُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ الْأَوَّلِ أَنَّهُ إنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ فَالْغَاصِبُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُودِعِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ اسْتَهْلَكَ مَالَهُ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُودَعَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْغَاصِبِ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ، وَلَوْ آجَرَ الْغَاصِبُ الْمَغْصُوبَ أَوْ رَهَنَهُ مِنْ إنْسَانٍ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، فَإِنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَ وَرَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ، إلَّا أَنَّ فِي الرَّهْنِ يَسْقُطُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ عَلَى مَا هُوَ حُكْمُ هَلَاكِ الرَّهْنِ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ يَرْجِعُ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا ضَمَّنَ، وَالْمُرْتَهِنُ يَرْجِعُ بِدَيْنِهِ أَيْضًا.
أَمَّا رُجُوعُ الْمُرْتَهِنِ بِالضَّمَانِ، فَلَا شَكّ فِيهِ لِصَيْرُورَتِهِ مَغْرُورًا.
وَأَمَّا رُجُوعُ الْمُسْتَأْجِرِ؛ فَلِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَفَادَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ لَكِنْ بِعِوَضٍ وَهُوَ الْأُجْرَةُ فَيَتَحَقَّقُ الْغُرُورُ فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، إلَّا أَنَّهُ إنْ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ آجَرَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَرَهَنَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَاسْتَهْلَكَهُ الْمُسْتَأْجِرُ وَالْمُرْتَهِنُ، وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ أَوْ الْمُرْتَهِنَ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَلَوْ أَعَارَهُ الْغَاصِبُ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ يَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، وَأَيُّهُمَا ضَمَّنَ لَا يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى صَاحِبِهِ أَمَّا الْغَاصِبُ، فَلَا شَكّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَعَارَ مِلْكَ نَفْسِهِ فَهَلَكَ فِي يَدِ الْمُسْتَعِيرِ.
وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ فَلِأَنَّهُ اسْتَفَادَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْغُرُورُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
وَعَلَى هَذَا تَخْرُجُ مَنَافِعُ الْأَعْيَانِ الْمَنْقُولَةِ الْمَغْصُوبَةِ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عِنْدَنَا، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَضْمُونَةٌ، نَحْوُ مَا إذَا غَصَبَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً فَأَمْسَكَهُ أَيَّامًا وَلَمْ يَسْتَعْمِلْهُ، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَى مَالِكِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ الْمَنَافِعِ؛ لِأَنَّهَا أَعْرَاضٌ تَحْدُثُ شَيْئًا فَشَيْئًا عَلَى حَسَبِ حُدُوثِ الزَّمَانِ، فَالْمَنْفَعَةُ الْحَادِثَةُ عَلَى يَدِ الْغَاصِبِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فِي يَدِ الْمَالِكِ، فَلَمْ يُوجَدْ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْهَا، فَلَمْ يُوجَدْ الْغَصْبُ، وَعِنْدَهُ حَدُّ الْغَصْبِ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ.
وَقَدْ وُجِدَ فِي الْمَنَافِعِ وَالْمَنْفَعَةِ مَالٌ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهَا فِي الْإِجَارَةِ، وَتَصْلُحُ مَهْرًا فِي النِّكَاحِ، فَتَحَقَّقَ الْغَصْبُ فِيهَا، فَيَجِبُ الضَّمَانُ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ دَارًا أَوْ عَقَارًا فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْ الْبِنَاءِ، أَوْ جَاءَ سَيْلٌ فَذَهَبَ بِالْبِنَاءِ وَالْأَشْجَارِ، أَوْ غَلَبَ الْمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ فَبَقِيَتْ تَحْتَ الْمَاءِ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَبِي يُوسُفَ الْآخَرِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ يَضْمَنُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَمَّا الشَّافِعِيُّ فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فِي تَحْدِيدِ الْغَصْبِ أَنَّهُ إثْبَاتُ الْيَدِ عَلَى مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِ مَالِكِهِ، وَهَذَا يُوجَدُ فِي الْعَقَارِ، كَمَا يُوجَدُ فِي الْمَنْقُولِ.
وَأَمَّا مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدْ مَرَّ عَلَى أَصْلِهِ فِي حَدِّ الْغَصْبِ أَنَّهُ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ، وَالْفِعْلُ فِي الْمَالِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَقَدْ وُجِدَ تَفْوِيتُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ الْعَقَارِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِبَارَةٌ عَنْ إخْرَاجِ الْمَالِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ فِي حَقِّ الْمَالِكِ، أَوْ إعْجَازِ الْمَالِكِ عَنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَهَذَا كَمَا يُوجَدُ فِي الْمَنْقُولِ يُوجَدُ فِي الْعَقَارِ فَيَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَاتِ وَهِيَ: أَنَّ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ دَارًا فَأَنْكَرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَأَقَامَ الْمُدَّعِي شَاهِدَيْنِ وَقَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَا يَضْمَنَانِ.
كَمَا لَوْ كَانَتْ الدَّعْوَى فِي الْمَنْقُولِ، فَقَدْ سَوَّى بَيْنَ الْعَقَارِ وَالْمَنْقُولِ فِي ضَمَانِ الرُّجُوعِ، فَدَلَّ أَنَّ الْغَصْبَ الْمُوجِبَ لِلضَّمَانِ يَتَحَقَّقُ فِيهِمَا جَمِيعًا وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوَسَّفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ فَمَرَّا عَلَى أَصْلِهِمَا أَنَّ الْغَصْبَ إزَالَةُ يَدِ الْمَالِكِ عَنْ مَالِهِ بِفِعْلٍ فِي الْمَالِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْعَقَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ هَذَا شَرْطُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ: الِاسْتِدْلَال بِضَمَانِ الْغَصْبِ، فَإِنَّ أَخْذَ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ تَفْوِيتُ يَدِهِ عَنْهُ بِفِعْلٍ فِي الضَّمَانِ، فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ مِثْلِهِ مِنْهُ فِي الْمَغْصُوبِ، لِيَكُونَ اعْتِدَاءً بِالْمِثْلِ، وَعَلَى أَنَّهُمَا إنْ سَلَّمَا تَحَقَّقَ الْغَصْبُ فِي الْعَقَارِ، فَالْأَصْلُ فِي الْغَصْبِ أَنْ لَا يَكُونَ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ؛ لِأَنَّ أَخْذَ الضَّمَانِ مِنْ الْغَاصِبِ إتْلَافُ مَالِهِ عَلَيْهِ.
أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَزُولُ يَدُهُ وَمِلْكُهُ عَنْ الضَّمَانِ، فَيَسْتَدْعِي وُجُودَ الْإِتْلَافِ مِنْهُ إمَّا حَقِيقَةً أَوْ تَقْدِيرًا؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتُعَالَى لَمْ يُشَرِّعْ الِاعْتِدَاءَ، إلَّا بِالْمِثْلِ، قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: {فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا الْإِتْلَافُ مِنْ الْغَاصِبِ لَا حَقِيقَةً وَلَا تَقْدِيرًا أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَظَاهِرَةٌ.
وَأَمَّا التَّقْدِيرُ فَلِأَنَّ ذَلِكَ بِالنَّقْلِ وَالتَّحْوِيلِ وَالتَّغْيِيبِ عَنْ الْمَالِكِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقِفُ عَلَى مَكَانِهِ، وَلِهَذَا لَوْ حَبَسَ رَجُلًا حَتَّى ضَاعَتْ مَوَاشِيهِ، وَفَسَدَ زَرْعُهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالْعَقَارُ لَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ وَالتَّحْوِيلَ، فَلَمْ يُوجَدْ الْإِتْلَافُ حَقِيقَةً وَتَقْدِيرًا فَيَنْتَفِي الضَّمَانُ لِضَرُورَةِ النَّصِّ، وَعَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ إذَا غَصَبَ عَقَارًا فَجَاءَ إنْسَانٌ فَأَتْلَفَهُ فَالضَّمَانُ عَلَى الْمُتْلِفِ عِنْدَهُمَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْعَقَارِ فَيُعْتَبَرُ الْإِتْلَافُ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ فِيهِ فَيَتَخَيَّرُ الْمَالِكُ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْغَاصِبِ فَالْغَاصِبُ يَرْجِعُ بِالضَّمَانِ عَلَى الْمُتْلِفِ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْمُتْلِفِ لَا يَرْجِعُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ.
(وَأَمَّا) مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ مَنَعَهَا، وَقَالَ: إنَّ مُحَمَّدًا رَحِمَهُ اللَّهُ بَنَى الْجَوَابَ عَلَى أَصْلِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِمَا فَلَا يَضْمَنَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَلَّمَ وَلَا بَأْسَ بِالتَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّ ضَمَانَ الرُّجُوعِ ضَمَانُ إتْلَافٍ لَا ضَمَانُ غَصْبٍ وَالْعَقَارُ مَضْمُونٌ بِالْإِتْلَافِ بِلَا خِلَافٍ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ صَبِيًّا حُرًّا مِنْ أَهْلِهِ فَمَاتَ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ آفَةٍ أَصَابَتْهُ، بِأَنْ مَرِضَ فِي يَدِهِ فَمَاتَ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ كَوْنَ الْمَغْصُوبِ مَالًا شَرْطُ تَحَقُّقِ الْغَصْبِ، وَالْحُرُّ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَوْ مَاتَ فِي يَدِهِ بِآفَةٍ بِأَنْ عَقَرَهُ أَسَدٌ أَوْ نَهَشَتْهُ حَيَّةٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ يَضْمَنُ لِوُجُودِ الْإِتْلَافِ مِنْهُ تَسْبِيبًا، وَالْحُرُّ يَضْمَنُ بِالْإِتْلَافِ مُبَاشَرَةً وَتَسْبِيبًا عَلَى مَا نَذْكُرهُ فِي مَسَائِلِ الْإِتْلَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ غَصَبَ مُدَبَّرًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ، إلَّا أَنَّهُ امْتَنَعَ جَوَازُ بَيْعِهِ إذَا كَانَ مُدَبَّرًا مُطْلَقًا مَعَ كَوْنِهِ مَالًا مُتَقَوِّمًا لِانْعِقَادِ سَبَبِ الْحُرِّيَّةِ لِلْحَالِ.
وَفِي الْبَيْعِ إبْطَالُ السَّبَبِ عَلَى مَا عُرِفَ، وَكَذَلِكَ لَوْ غَصَبَ مُكَاتَبًا فَهَلَكَ فِي يَدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ مَالًا مُتَقَوِّمًا، وَمُعْتَقُ الْبَعْضِ بِمَنْزِلَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فَكَانَ مَضْمُونًا بِالْغَصْبِ كَالْمُكَاتَبِ، وَعَلَى أَصْلِهِمَا هُوَ حُرٌّ عَلَيْهِ دَيْنُ، وَالْحُرُّ لَا يَضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَلَوْ غَصَبَ أُمَّ وَلَدٍ إنْسَانٌ فَهَلَكَتْ عِنْدَهُمْ لَمْ يَضْمَنْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ، وَأُمُّ الْوَلَدِ لَا تُضْمَنُ بِالْغَصْبِ، وَلَا بِالْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَا بِالْإِعْتَاقِ كَجَارِيَةٍ بَيْن رَجُلَيْنِ جَاءَتْ بِوَلَدٍ فَادَّعَيَاهُ جَمِيعًا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا أَحَدُهُمَا لَا يَضْمَنُ لِشَرِيكِهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْعَى هِيَ فِي شَيْءٍ أَيْضًا عِنْدَهُ، وَعِنْدَهُمَا يَضْمَنُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَالْمُدَبَّرِ، وَلَقَبُ الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ أُمَّ الْوَلَدِ هَلْ هِيَ مُتَقَوِّمَةٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهَا مَالٌ أَمْ لَا وَلَا خِلَافَ أَنَّهَا مُتَقَوِّمَةٌ بِالْقَتْلِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُدَبَّرَ مُتَقَوِّمٌ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِمَا أَنَّهَا كَانَتْ مَالًا مُتَقَوِّمًا، وَالِاسْتِيلَادُ لَا يُوجِبُ الْمَالِيَّةَ وَالتَّقَوُّمَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ إلَّا حَقُّ الْحُرِّيَّةِ فَإِنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْمَالِيَّةَ وَالتَّقَوُّمَ، كَمَا فِي الْمُدَبَّرِ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الِاسْتِيلَادَ إعْتَاقٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ «قَالَ فِي جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ: أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» فَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْعِتْقِ لِلْحَالِ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، إلَّا أَنَّهُ تَأَخَّرَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَحْكَامِ، فَمَنْ ادَّعَى التَّأَخُّرَ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقَوُّمِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ بِخِلَافِ الْمُدَبَّرِ؛ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ لَيْسَ بِإِعْتَاقٍ لِلْحَالِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْعِتْقُ لِلْحَالِ أَصْلًا، وَإِنَّمَا الْمَوْجُودُ لِلْحَالِ مُبَاشَرَةُ سَبَبِ الْعِتْقِ مِنْ غَيْرِ عِتْقٍ، وَهَذَا لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْمَالِيَّةِ وَالتَّقْوِيمِ، وَيَمْنَعُ جَوَازَ الْبَيْعِ لِمَا قُلْنَا، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ جِلْدَ مَيْتَةٍ لِذِمِّيٍّ أَوْ لِمُسْلِمٍ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ لَيْسَا بِمَالٍ فِي الْأَدْيَانِ كُلِّهَا.
وَلَوْ دَبَغَهُ الْغَاصِبُ وَصَارَ مَالًا فَحُكْمُهُ نَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا غَصَبَ خَمْرًا لِمُسْلِمٍ أَوْ خِنْزِيرًا لَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا؛ لِأَنَّ الْخَمْرَ لَيْسَتْ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ وَكَذَا الْخِنْزِيرُ، فَلَا يَضْمَنَانِ بِالْغَصْبِ.
وَلَوْ غَصَبَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا لِذِمِّيٍّ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ سَوَاءٌ كَانَ الْغَاصِبُ ذِمِّيًّا أَوْ مُسْلِمًا غَيْرَ أَنَّ الْغَاصِبَ إنْ كَانَ ذِمِّيًّا فَعَلَيْهِ فِي الْخَمْرِ مِثْلُهَا، وَفِي الْخِنْزِيرِ قِيمَتُهُ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ الْقِيمَةُ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَهَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا ضَمَانَ عَلَى غَاصِبِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ كَائِنًا مَنْ كَانَ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ النَّاسِ كَافَّةً لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي صِفَةِ الْخُمُورِ أَنَّهُ: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} وَصِفَةُ الْمَحَلِّ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّخْصِ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ لَعَيْنِهَا» أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَوْنَهَا مُحَرَّمَةً وَجَعَلَ عِلَّةَ حُرْمَتِهَا عَيْنَهَا، فَتَدُورُ الْحُرْمَةُ مَعَ الْعَيْنِ، وَإِذَا كَانَتْ مُحَرَّمَةً لَا تَكُونُ مَالًا؛ لِأَنَّ الْمَالَ مَا يَكُونُ مُنْتَفَعًا بِهِ حَقِيقَةً، مُبَاحَ الِانْتِفَاعِ بِهِ شَرْعًا عَلَى الْإِطْلَاقِ.
(وَلَنَا) مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْمَعْرُوفِ: «فَأَعْلِمُوهُمْ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ» وَلِلْمُسْلِمِ الضَّمَانُ إذَا غُصِبَ مِنْهُ خَلُّهُ وَشَاتُه وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لِلذِّمِّيِّ الضَّمَانُ إذَا غُصِبَ مِنْهُ خَمْرُهُ أَوْ خِنْزِيرُهُ؛ لِيَكُونَ لَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْمَسْأَلَةِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى: فَبَعْضُ مَشَايِخِنَا قَالُوا: الْخَمْرُ مُبَاحٌ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَكَذَا الْخِنْزِيرُ، فَالْخَمْرُ فِي حَقِّهِمْ كَالْخَلِّ فِي حَقِّنَا، وَالْخِنْزِيرُ فِي حَقِّهِمْ كَالشَّاةِ فِي حَقِّنَا فِي حَقِّ الْإِبَاحَةِ شَرْعًا.
فَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي حَقِّهِمْ، وَدَلِيلُ الْإِبَاحَةِ فِي حَقِّهِمْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ صَالِحٌ لِإِقَامَةِ مَصْلَحَةِ الْبَقَاءِ، وَالْأَصْلُ فِي أَسْبَابِ الْبَقَاءِ هُوَ الْإِطْلَاقُ، إلَّا أَنَّ الْحُرْمَةَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ تَثْبُتُ نَصًّا غَيْرَ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، أَوْ مَعْقُول الْمَعْنَى لِمَعْنًى لَا يُوجَدُ هَاهُنَا، أَوْ يُوجَدُ لَكِنَّهُ يَقْتَضِي الْحِلَّ لَا الْحُرْمَةَ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: {إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْر اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} لِأَنَّ الصَّدَّ لَا يُوجَدُ فِي الْكَفَرَةِ، وَالْعَدَاوَةُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَاجِبُ الْوُقُوعِ، وَلِأَنَّهَا سَبَبُ الْمُنَازَعَةِ وَالْمُنَازَعَةُ سَبَبُ الْهَلَاكِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْحِلَّ لَا الْحُرْمَةَ، فَلَا تَثْبُتُ الْحُرْمَةُ فِي حَقِّهِمْ، وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: إنَّ الْحُرْمَةَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ، كَمَا هِيَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِشَرَائِعَ هِيَ حُرُمَاتٌ عِنْدَنَا، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ عَلَى مَا عُرِفَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَعَلَى هَذَا طَرِيقُ وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَمْرَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الْحَالِ فَهِيَ بِعَرَضِ أَنْ تَصِيرَ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الثَّانِي بِالتَّخَلُّلِ وَالتَّخْلِيلُ، وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ يَعْتَمِدُ كَوْنَ الْمَحَلِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمُتْلَفِ مَالًا مُتَقَوِّمًا فِي الْجُمْلَةِ وَلَا يَقِفُ عَلَى ذَلِكَ لِلْحَالِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُهْرَ وَالْجَحْشَ وَمَا لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِي الْحَالِ مَضْمُونٌ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافِ، وَالثَّانِي: أَنَّ الشَّرْعَ مَنَعْنَا عَنْ التَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْمَنْعِ عَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ أَنَّهُ قَالَ: «أُمِرْنَا بِأَنْ نَتْرُكَهُمْ وَمَا يَدِينُونَ»، وَمِثْلُهُ لَا يَكْذِبُ، وَقَدْ دَانُوا شُرْبَ الْخَمْرِ وَأَكْلَ الْخِنْزِيرِ فَلَزِمَنَا تَرْكُ التَّعَرُّضِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَبَقِيَ الضَّمَانُ بِالْغَصْبِ وَالْإِتْلَافُ يُفْضِي إلَى التَّعَرُّضِ؛ لِأَنَّ السَّفِيهَ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ إذَا غَصَبَ أَوْ أَتْلَفَ لَا يُؤَاخَذُ بِالضَّمَانِ يُقْدِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي ذَلِكَ مَنْعُهُمْ وَتَعَرُّضٌ لَهُمْ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.
وَلَوْ كَانَ لِمُسْلِمٍ خَمْرٌ غَصَبَهَا ذِمِّيٌّ أَوْ مُسْلِمٌ فَهَلَكَتْ عِنْدَ الْغَاصِبِ أَوْ خَلَّلَهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَلَوْ اسْتَهْلَكَهَا يَضْمَنُ خَلًّا مِثْلَهَا؛ لِأَنَّ الْغَصْبَ حِينَ وُجُودِهِ لَمْ يَنْعَقِدْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ الْغَاصِبِ صُنْعٌ آخَرُ؛ لِأَنَّ الْهَلَاكَ لَيْسَ مِنْ صُنْعِهِ، فَلَا يَضْمَنُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهُ فَقَدْ وُجِدَ مِنْهُ صُنْعٌ آخَرُ سِوَى الْغَصْبِ، وَهُوَ إتْلَافُ خَلٍّ مَمْلُوكٍ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ فَيَضْمَنُ وَلَوْ غَصَبَ مُسْلِمٌ مِنْ نَصْرَانِيٍّ صَلِيبًا لَهُ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ يَضْمَنُ قِيمَتَهُ صَلِيبًا؛ لِأَنَّهُ مُقِرٌّ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا اسْتَخْدَمَ عَبْدُ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، أَوْ بَعَثَهُ فِي حَاجَةٍ، أَوْ قَادَ دَابَّةً لَهُ، أَوْ سَاقَهَا، أَوْ رَكِبَهَا، أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا أَنَّهُ ضَامِنٌ بِذَلِكَ، سَوَاءٌ عَطِبَ فِي تِلْكَ الْخِدْمَةِ أَوْ فِي مُضِيِّهِ فِي حَاجَتِهِ أَوْ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمَالِكِ كَانَتْ ثَابِتَةً عَلَيْهِ.
وَإِذَا أَثْبَتَ يَدَ التَّصَرُّفِ عَلَيْهِ فَقَدْ فَوَّتَ يَدَ الْمَالِكِ فَيَتَحَقَّقُ الْغَصْبُ وَلَوْ دَخَلَ دَارَ إنْسَانٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ فَهَلَكَ فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ فِي قَوْلِهِمَا، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَضْمَنُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِيمَا تَقَدَّمَ وَلَوْ جَلَسَ عَلَى فِرَاشِ غَيْرِهِ أَوْ بِسَاطِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَهَلَكَ لَا يَضْمَنُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ تَفْوِيتَ يَدِ الْمَالِكِ فِيمَا يَحْتَمِلُ النَّقْلَ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ النَّقْلِ، فَلَمْ يَتَحَقَّقْ الْغَصْبُ، فَلَا يَجِبُ الضَّمَانُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.